محمد بن وليد الطرطوشي

289

سراج الملوك

قال أنس : ما صبر من بث « 1 » . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا تستغزروا الدموع بالتذكّر . وقال الشاعر : ولا يبعث الأحزان مثل التّذكّر « 2 » ومما يعين على عظم الأسى وشدة الجزع ، تذكر المسارّ المنقضية ، وتصوّر المضارّ الذاهبة ، وكثرة الشكوى والأسف ، وقال الشاعر : لا تكثر الشّكوى إلى الصّديق * وارجع إلى الخالق لا المخلوق لا يخرج الغريق بالغريق وفي منثور الحكم : المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين . واعلم : أنه قل من صبر على شدة إلا ونال ما يرجوه من فرج . وينبغي لمن نزلت به مصيبة ، أو كان في شدة ، أن يسهّلها على نفسه ، ولا يغفل عن تذكّر ما يتيقّنه ، من وجوب الفناء ، وتقضّي المسار ، فإن الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا ثقة له ، من صح فيها سقم ، ومن سقم فيها برم « 3 » ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها فتن ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، ومتشابهها عتاب ، لا خيرها يدوم ، ولا شرها يبقى ، ولا فيها لمخلوق بقاء ، فإذا تصور حقيقتها ، فحينئذ يرى الحوادث سهلة والمصائب هينة . وقال الشاعر : يمثّل ذو اللّبّ في نفسه * مصائب من قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعه * لما كان في نفسه مثّلا رأى الأمر يفضي إلى آخر * فصير آخره أوّلا وقال بعض الحكماء : من حاذر لم يخدع ، ومن راقب لم يهلع ، ومن كان

--> ( 1 ) البث : أشدّ الحزن : أي لم يصبر من أظهر الحزن الشديد وأكثر من الشكوى والأسف . ( 2 ) هذا شطر بيت من قصيدة للشاعرة ليلى الأخيلية ترثي فيها توبة بن حمير ، ومنها : لتبك عليه من خفاجة نسوة * بماء شؤون الغبرة المتحدر سمعن بهيجا أرهقت فذكرنه * ولا يبعث الأحزان مثل التذكر ( الأغاني 11 / 233 ) . ( 3 ) البرم : هنا بمعنى البخل ، وتأتى بمعنى الضجر والسأم .